الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
243
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واعلم أن مما يدل على إرادة التسبيح بالقول وجود قرينة في الكلام تقتضيه مثل التوقيت بالوقت في قوله تعالى : وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الأحزاب : 42 ] فإن الذي يكلف بتوقيته هو الأقوال والأفعال دون العقائد ، ومثل تعدية الفعل بالباء مثل قوله تعالى : وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ السجدة : 15 ] فإن الحمد قول فلا يصاحب إلا قولا مثله . وتعريف : اسْمَ بطريق الإضافة إلى رَبِّكَ دون تعريفه بالإضافة إلى علم الجلالة نحو : سبح اسم اللّه ، لما يشعر به وصف رب من أنه الخالق المدبر . وأما إضافة ( رب ) إلى ضمير الرسول صلى اللّه عليه وسلم فلتشريفه بهذه الإضافة وأن يكون له حظ زائد على التكليف بالتسبيح . ثم أجري على لفظ رَبِّكَ صفة الْأَعْلَى وما بعدها من الصلات الدالة على تصرفات قدرته ، فهو مستحق للتنزيه لصفات ذاته ولصفات إنعامه على الناس بخلقهم في أحسن تقويم ، وهدايتهم ، ورزقهم ، ورزق أنعامهم ، للإيماء إلى موجب الأمر بتسبيح اسمه بأنه حقيق بالتنزيه استحقاقا لذاته ولوصفه بصفة أنه خالق المخلوقات خلقا يدل على العلم والحكمة وإتقان الصنع ، وبأنه أنعم بالهدى والرزق الذين بهما استقامة حال البشر في النفس والجسد وأوثرت الصفات الثلاث الأول لما لها من المناسبة لغرض السورة كما سنبينه . فلفظ الْأَعْلَى اسم يفيد الزيادة في صفة العلو ، أي الارتفاع . والارتفاع معدود في عرف الناس من الكمال فلا ينسب العلوّ بدون تقييد إلا إلى شيء غير مذموم في العرف ، ولذلك إذا لم يذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه أفاد التفضيل المطلق كما في وصفه تعالى هنا . ولهذا حكى عن فرعون أنه قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] . والعلوّ المشتقّ منه وصفه تعالى : الْأَعْلَى علوّ مجازي ، وهو الكمال التام الدائم . ولم يعدّ وصفه تعالى : الْأَعْلَى في عداد الأسماء الحسنى استغناء عن اسمه الْعَلِيُّ * لأن أسماء اللّه توقيفية فلا يعد من صفات اللّه تعالى بمنزلة الاسم إلا ما كثر إطلاقه إطلاق الأسماء ، وهو أوغل من الصفات ، قال الغزالي : والعلوّ في الرتبة العقلية مثل العلوّ في التدريجات الحسية ، ومثال الدرجة العقلية ، كالتفاوت بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والقابل والكامل والناقص ا ه . وإيثار هذا الوصف في هذه السورة لأنها تضمنت التنويه بالقرآن والتثبيت على تلقيه